أسرار النهر المميت - "الفصل الثامن" - بقلم حلا أيمن | روايتك

اسم الرواية: أسرار النهر المميت
المؤلف / الكاتب: حلا أيمن
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: "الفصل الثامن"

"الفصل الثامن"

جلستُ أمامه، يدي ترتجفان قليلًا، لكن قلبي كان ينبض بعنف وكأن كل هذه السنوات تندفع دفعة واحدة للخروج. كنتُ أرى في عينيه الاهتمام والترقب، لكنه لم ينطق بكلمة، تاركًا لي الحرية لأفتح الباب الذي طالما أخفيت خلفه حياتي كلها. بدأتُ بالحديث بصوت مرتجف لكنه ثابت، كما لو أن السنين الماضية كلها كانت تتراكم على صدري وتطالب بالتحرر: – "ثماني سنوات مضت… ثماني سنوات وأنا أحمل سرًّا لم أجرؤ على قوله لأحد. كل يوم كنت أستيقظ فيه، كل لحظة، كان يحمل ثقلًا أقسى من اليوم الذي سبقه." تنفستُ بعمق، وبدأت أسرد له ما لم أبح به لأحد: – "تاليا… أختي الكبرى، كانت دائمًا المرشدة، الصوت الذي يهدئ قلبي، اليد التي تمسح دموعي حين أتعثر. بعد وفاة والدينا، شعرتُ أن حياتي توقفت، وأن العالم كله أصبح مظلمًا من دون ضوءها. كانت تاليا لا تتركني وحدي، تعلمتُ منها الصبر، القوة، حتى الكلمة الطيبة التي كانت تزرع الأمل في قلبي." ابتسمتُ في الداخل رغم الألم، ثم غصّتُ أكثر في سرد ما حدث: – "لكن الحياة لم تمنحنا الراحة أبدًا. جاء أبي… أسر الكيالي، رجل يظن أنه يملك كل شيء، وكان يظن أننا مجرد أدوات في صراعاته. كان يسيطر على تاليا كما يسيطر على كل شيء حوله، وكان يريد مني أن أكون نسخة صامتة من الطاعة والخوف. لم أستطع… لم أستطع التكيف مع هذا الظلم." رفعتُ عينيّ إليه، والدموع تنساب على وجنتي دون أن أستطيع كبحها: – "كل يوم كنت أراقب تاليا، وأعلم أنها تدافع عني بصمت، وتحمل عني ما لم أستطع تحمله بنفسي. كنت صغيرة… لم أفهم تمامًا كل شيء، لكن كنت أعرف أنني إذا فقدتها، سأفقد عالمي كله. وحدث ما كنت أخشاه…" توقف قلبي للحظة قبل أن أواصل، كأنني أستجمع كل قوة تبقت لدي: – "تاليا… غادرتنا إلى الأبد. لم تكن هناك لتدافع عني، ولم أستطع حماية نفسي أوهاجرها أو حتى أبكيها كما يجب. ثماني سنوات وأنا أعيش مع فقدانها، أحاول النجاة من أبي، من القرية، ومن نفسي. كنت أهرب من كل شيء، لكن هذا الهروب لم يكن كافيًا." أغمضتُ عيني للحظة، استنشقت الهواء ببطء، ثم تابعت: – "هربتُ لأني لم أستطع البقاء… لم أستطع أن أكون أسيرة كل هذا الظلم مرة أخرى. كل خطوة خطوتها كانت نحو الحرية، نحو الحياة، نحو فرصة لأن أتنفس دون أن أكون مكسورة بالكامل. ولم يكن الأمر سهلاً… كنت أواجه كل يوم خوفًا جديدًا، خطرًا جديدًا، ولم أكن أعلم إذا كنت سأبقى على قيد الحياة." كان صمتي الطويل بعد هذا الاعتراف مثقلاً بكل الألم الذي خرج مني. لكنه ظل صامتًا، يستمع، عينيه تراقبانني بتركيز شديد، لا يقطعني، لا يحكم عليّ، كأن العالم كله توقف ليمنحني لحظة اعتراف لم أتمكن من قولها طوال ثماني سنوات. ثم همستُ بصوت منخفض، ممتزج بالحزن والأمل في آنٍ واحد: – "هذه هي حياتي… هذه هي كل ما مررت به… هذه هي الحقيقة التي حملتها طوال ثماني سنوات. لم يعد هناك مكان للكتمان، ولم يعد هناك خوف من أن أكون ضعيفة. لقد فقدت تاليا، وفقدت الطمأنينة، لكني ما زلت هنا… ما زلت أقاتل لأكون على قيد الحياة." رفعتُ عينيّ إليه، والدموع تنساب بحرارة، لأول مرة منذ زمن طويل أشعر أن شخصًا يسمعني، شخص قد يفهمني. شعرت أن بداية جديدة، رغم كل الألم، بدأت من هذه اللحظة. توقّفَ صوتي لحظةً وكأنني أختنق بذكرياتي، ثم رفعتُ رأسي إليه، كانت نظراته ممتلئة بأسئلةٍ لم يجرؤ على نطقها. مسح دمعةً عن وجهي بيده المرتجفة، وهمس بصوت خافت: – "كيف… كيف ماتت أختكِ تاليا؟" أطبقتُ يديّ على بعضهما بقوة حتى شعرت بأظافري تنغرز في جلدي. كنتُ أرتجف كلها وأنا أبحث عن شجاعتي لأفتح الباب الأخير في هذه الحكاية. خرج صوتي أخيرًا متكسّرًا، لكنه حمل صدقًا جارحًا: – "لم تمت تاليا صدفةً يا مارتيل… أبي قتلها." ارتعش فكه، رأيت في عينيه ارتباكًا وغضبًا دفينًا، لكنه لم يقاطعني. أكملتُ، والدموع تسيل على خديّ كجدولٍ من وجع: – "سمعتُه بصدفةٍ تلك الليلة، كنتُ أختبئ خلف الباب حين كان يتحدث في الهاتف… قال بصوتٍ باردٍ كالجليد إن (تاليا انتهت) وإن الجاية حين تبلغ الثامنة عشرة ستلقى نفس المصير. كنتُ أنا المقصودة، كنتُ أنا التالية." شهقتُ نفسًا حادًا، ورأسي يمتلئ بالصور القاتمة: – "تاليا كانت تعرف أنه وحش… كانت تقف أمامه وتحاول أن تحميني، حتى في آخر ليلةٍ لها حاولت أن تهدئه. لكنه لم يكن أبًا… كان جلادًا. لم يكتفِ بسجننا في قريته الملعونة، بل جعل دمنا رخيصًا كأنه ماء. قتلها بيديه… قطع رقبتها ببرودٍ ورماها في النهر، النهر الذي تسمونه اليوم (النهر المميت)." غطّيتُ وجهي بيدي، لكنّ الذكريات تسربت رغمًا عني، فخرجت كأنها مشهدٌ أمام عينيه: – "لم أنسَ تلك الليلة… كان القمر غائبًا، والظلام يغطي كل شيء. رأيتُ من نافذتي أبي واقفًا على الضفة، يحمل سكينًا طويلةً كالمناجل. تاليا تركعُ أمامه، تحاول أن تتكلم، أن تستعطفه… لكنه كان صخرًا. رفع السكين وقطع… قطعها بلا رحمة، ثم دفع جسدها إلى النهر. كنتُ أصرخ بلا صوت، كنتُ أختنق وأنا أراقبها تغيب في الماء. ومنذ تلك الليلة لم أعد أنا." أخذتُ نفسًا طويلًا وواصلتُ، بصوتٍ مبحوحٍ من شدة البكاء: – "أبي… أسر الكيالي… لم يكن فقط يقتلنا. كان يقتل كل من يقف في طريقه. رأيتُه مرةً، ذات صباحٍ بارد، يمسك رجلًا عجوزًا من القرية لأنه سرق رغيف خبز. لم يناقشه، لم يسمع تبريره، بل أخذ سهمًا من حقيبته، شدّ القوس، وأطلقه مباشرةً في رأسه. سقط الرجل أمامي بلا حراك، والدم يلطخ التراب. كنتُ طفلةً، لكن قلبي مات يومها." ارتعد صوتي أكثر: – "حين سمعتُ مكالمته تلك الليلة وهو يخطط لقتلي عندما أبلغ الثامنة عشرة… لم أستطع البقاء. كنتُ أعلم أن وقتي يقترب. لم يعد هناك أملٌ أن أعيش، إلا إذا هربت. فهربت. هربت في الليل كأنني ظلّ، جسدي كله يرتجف، قدماي لا تحملانني. كنتُ أسمع أصواته خلفي، صراخه، حراسُه يركضون وراءي ببنادقهم ومسدساتهم. الرصاص يصفّر في الهواء، وأنا أركض بين الأشجار، أتعثر بالحجارة، ألهث، لكني أركض لأني كنتُ أعرف أن التوقف يعني موتي." بللت دموعي قميصي، وصوتي صار كهمسٍ مكسور: – "كنتُ أسمع كل طلقةٍ كأنها تخترق صدري، كل صرخةٍ منهم كانت سكينًا في أذني. رأيتُ حارسًا يرفع بندقيته ويصوب نحو ظهري… لو لم أختبئ خلف شجرة تلك اللحظة لانتهى أمري. كان أبي يقترب، كنتُ أسمع أنفاسه، أنفاس الوحش الذي كان يومًا أبي. كنتُ أرى في مخيلتي وجه تاليا وهي تغرق في النهر، وكنتُ أقول لنفسي: لن أكون التالية، لن أُقتل مثلك يا تاليا." توقفتُ، وارتجف جسدي كله، ثم رفعتُ عينيّ إلى مارتيل، كأنني أسلمه روحي بكل ما فيها من ألم: – "هربتُ… وما زلتُ أهرب حتى اليوم. أبي لم يكن أبًا. كان لعنةً تسير على قدمين. أخذ مني أختي، أخذ مني طفولتي، وأراد أن يأخذ حياتي. لكنني نجوت. نجوتُ بجسدٍ بلا روح، وبقلبٍ مثقوبٍ بالحزن والخوف. كل هذه السنوات وأنا أحمل سرّي… حتى هذه اللحظة." ارتخت يداي، وكنتُ أتنفس بصعوبة، بينما نظرات مارتيل أصبحت مشتعلة بالغضب والذهول، وكأنه هو الآخر يرى كل ما حكيتُه أمامه. لأول مرة شعرتُ أن قلبي يتكلم بصوتٍ مسموع. لأول مرة شعرتُ أنني لم أعد وحيدة في مواجهة هذا الجحيم.